المسؤولية التقصيرية والفعل الضار في نظام المعاملات المدنية 2026

٤ يونيو ٢٠٢٦٦ دقائق قراءةأحمد بن ناصر المالكي
المسؤولية التقصيريةالفعل الضارنظام المعاملات المدنيةالتعويض عن الضررالضرر المعنويعلاقة السببية
شارك:

ما المسؤولية التقصيرية ولماذا تهمّك؟

قد يصيبك ضررٌ من فعل شخصٍ لا يربطك به أيُّ عقد: سائقٌ صدم مركبتك، أو جارٌ تسبّب إهماله في حريق، أو شخصٌ اعتدى على سمعتك. في كل هذه الحالات لا تجد عقداً ترجع إليه، لكنك تستحق تعويضاً. كل تعويضٍ عن ضررٍ خارج العقد يقوم على قواعد المسؤولية التقصيرية، وهي الأساس النظامي للتعويض عن الحوادث والاعتداءات والإهمال على اختلاف صوره.

هذا الدليل المرجعي يشرح المسؤولية التقصيرية (الفعل الضار) كما قنّنها نظام المعاملات المدنية: أركانها الثلاثة، وأنواع الضرر الذي تُجبره، وكيفية تقدير التعويض، والفرق بينها وبين المسؤولية العقدية — مع تطبيقٍ عملي على الحوادث المرورية التي تمثّل أبرز ميادينها.


تقنين نظام المعاملات المدنية للفعل الضار

قبل صدور نظام المعاملات المدنية كانت قواعد التعويض عن الأضرار مستندةً إلى الأحكام الشرعية واجتهاد القضاء دون نصوصٍ مكتوبة جامعة. ثم صدر نظام المعاملات المدنية بالمرسوم الملكي رقم (م/١٩١)، وبدأ العمل به في عام ١٤٤٥هـ (أواخر عام 2023م تقريباً)، فقنّن القواعد المدنية ومنها الفعل الضار — وهو الاسم الذي ساقه النظام لما يُعرف فقهاً وقانوناً بالمسؤولية التقصيرية.

أهمية هذا التقنين أنه وحّد المرجع وأوضح القواعد: متى تقوم المسؤولية، وما الذي يُعوَّض عنه، وحدود سلطة المحكمة في التقدير. وبذلك أصبح للمتضرر سندٌ نظاميٌّ واضح يرجع إليه في مطالبته، بدلاً من الاكتفاء بالقواعد العامة المتفرّقة.

(الفعل الضار) هو المسؤولية التقصيرية

حين تقرأ في نظام المعاملات المدنية عبارة (الفعل الضار)، فالمقصود بها المسؤولية التقصيرية ذاتها — أي المسؤولية عن الضرر الواقع بلا عقد. والتسميتان تُستعملان للمعنى نفسه في الأحكام والأدلة القانونية.


الأركان الثلاثة للمسؤولية التقصيرية

لا تقوم المسؤولية التقصيرية — ولا يستحق المطالِب تعويضاً — إلا باجتماع ثلاثة أركان متلازمة؛ فإن تخلّف أحدها سقطت المطالبة. وقد قرّر النظام هذه الأركان ضمن قواعد الفعل الضار:

أركان المسؤولية التقصيرية الثلاثة

١. الخطأ — الفعل الضار أو الإهمال أو التقصير المخالف لما يوجبه النظام أو لما يقتضيه واجب الحيطة.

٢. الضرر — ما أصاب المتضرر فعلاً في جسمه أو ماله أو معنوياته، مادياً كان أو معنوياً.

٣. علاقة السببية — الرابطة التي تثبت أن الضرر نتج مباشرةً عن ذلك الخطأ، لا عن سببٍ أجنبي.

ولنطبّق هذه الأركان على الحادث المروري بوصفه أوضح أمثلة الفعل الضار:

  • الخطأ = مخالفة قاعدة المرور أو الإهمال في القيادة (تجاوز السرعة، قطع الإشارة، عدم الانتباه).
  • الضرر = الإصابة الجسدية أو الوفاة أو فوات الكسب أو تلف المركبة والممتلكات.
  • علاقة السببية = أن يثبت أن هذا الضرر نتج عن ذلك الخطأ، فلو وقعت الإصابة لسببٍ منفصلٍ تماماً عن المخالفة انتفت السببية.

ولهذا فإن نسبة الخطأ المعتمدة في محضر الحادث هي حجر الزاوية في المطالبة، لأنها تعالج الركن الأول (الخطأ) وتؤثر في تقدير التعويض. ويُفصّل ذلك الدليل الشامل للتعويض عن الحوادث المرورية.


أنواع الضرر: المادي والمعنوي

الضرر الذي تُجبره المسؤولية التقصيرية نوعان، وقد يجتمعان في القضية الواحدة:

أولاً — الضرر المادي: وهو ما يصيب المتضرر في ذمته المالية، ويشمل عنصرين متكاملين:

  • ما لحق من خسارة: النفقات الفعلية كتكاليف العلاج، وإصلاح المركبة، وقيمة ما تلف من ممتلكات.
  • ما فات من كسب: الدخل الذي حُرم منه المتضرر بسبب الضرر، كأجرٍ فاته أثناء الانقطاع عن العمل، أو كسبٍ مؤكدٍ تعذّر تحصيله.

ثانياً — الضرر المعنوي: وهو الأذى الحسّي أو النفسي الذي يلحق الشخص في غير ماله، وقد كرّس النظام التعويض عنه صراحةً، وهو تطورٌ مهم يوسّع نطاق التعويض ليتجاوز الخسائر المالية المباشرة:

استناد نظامي

نظام المعاملات المدنيةالمادة الثامنة والثلاثون بعد المائة

نصّت هذه المادة — بحسب ما أوردته المصادر النظامية — على أن التعويض عن الفعل الضار يشمل التعويض عن الضرر المعنوي، وأن الضرر المعنوي يشمل ما يلحق الشخص من أذى حسّيٍّ أو نفسيٍّ نتيجة المساس بجسمه أو حريته أو عِرضه أو سمعته أو مركزه الاجتماعي، وأن المحكمة تقدّر الضرر المعنوي بحسب نوعه وجسامته وشخص المتضرر. وهذا توسعةٌ مهمة في نطاق التعويض، تشمل المعاناة النفسية الناتجة عن الإصابة أو الاعتداء. يُرجى مراجعة النص الرسمي على المصدر.

وتطبيق ذلك على الحوادث واضح: المصاب لا يُعوَّض عن نفقات علاجه وفوات كسبه فحسب، بل عن الألم والمعاناة النفسية أيضاً. ولتفصيل تعويض الإصابات الجسدية ومقاديرها، راجع تعويض الإصابات الجسدية: الأرش والشجاج ودية الأطراف.


تقدير التعويض بيد المحكمة

ليس للتعويض في المسؤولية التقصيرية مبلغٌ ثابتٌ مُسبق؛ بل تقديره من سلطة المحكمة، تقدّره بقدر ما لحق المتضرر من خسارة وما فاته من كسب نتيجة الفعل الضار، مع التعويض عن الضرر المعنوي بحسب نوعه وجسامته وشخص المتضرر.

ولأن المبلغ يتحدد بحسب ما يُعرض على المحكمة من أضرارٍ مثبتة، فإن توصيف الأضرار توصيفاً شاملاً ومدعوماً بالمستندات هو ما يرفع قيمة المحكوم به. فكثيرٌ من المتضررين يطالبون بعنصرٍ واحد (كنفقات العلاج) ويغفلون عن فوات الكسب أو الضرر المعنوي أو الأضرار المستقبلية، فيخسرون حقاً ثابتاً لهم.

بادر بحفظ الأدلة مبكراً

ثبوت الضرر وعلاقة السببية يعتمد على الأدلة: التقارير الطبية، ومحضر الحادث، والمستندات المالية، والشهود. ومع مرور الوقت تتعذّر إقامة بعض الأدلة وتضعف القرائن. وثّق ضررك فور وقوعه، واطلب التقارير الرسمية قبل أن يصعب الحصول عليها.


المسؤولية عن فعل الغير وعن الأشياء

لا تقتصر المسؤولية التقصيرية على الضرر الناشئ عن فعل الشخص نفسه؛ فقد قرّر النظام — في الجملة — صوراً للمسؤولية عن فعل الغير وعن الأشياء التي في حراسة الشخص. ومن أبرز تطبيقاتها العملية:

  • مسؤولية المتبوع عن تابعه: قد يُسأل صاحب العمل عمّا يُحدثه تابعه من ضررٍ للغير حال أداء العمل أو بسببه، وفق ما تقرّره القواعد العامة.
  • مسؤولية حارس الشيء: من كان الشيء تحت سيطرته وحراسته قد يُسأل عمّا يُحدثه ذلك الشيء من ضرر، وفق الضوابط النظامية.

وهذه الصور تتيح للمتضرر — في حالاتٍ معيّنة — الرجوع على جهةٍ موسرةٍ أقدر على الوفاء بالتعويض. والأحكام التفصيلية وشروطها وحدودها مما يُرجع فيه إلى نصوص النظام والمختص، ولا يصحّ البناء على تعميمها دون فحص واقعة كل قضية على حدة.

راجع المختص قبل تحديد الخصم

تحديد من تُرفع عليه دعوى التعويض (المتسبب مباشرةً، أو متبوعه، أو حارس الشيء) مسألةٌ دقيقة تتوقف على ظروف الواقعة. الخطأ في تحديد الخصم قد يؤخّر القضية أو يُضعفها، ولذلك يُستحسن تقييم المسؤولية مع محامٍ قبل رفع الدعوى.


الفرق بين المسؤولية التقصيرية والعقدية

يخلط كثيرون بين نوعَي المسؤولية، والتفريق بينهما يحدّد الأساس الذي تُبنى عليه المطالبة:

المعيارالمسؤولية التقصيريةالمسؤولية العقدية
المصدرفعلٌ ضارٌ بلا عقدإخلالٌ بالتزامٍ ناشئٍ عن عقد
العلاقة بين الطرفينلا عقد بينهماتربطهما رابطة عقدية
أمثلةحادث مروري، اعتداء، إهمالتأخّر مقاول، تخلّف بائع عن التسليم
الأساس النظاميقواعد الفعل الضارأحكام العقد وآثاره

ففي المسؤولية التقصيرية ينشأ الالتزام بالتعويض من واقعة الإضرار ذاتها دون سابق اتفاق. أما في المسؤولية العقدية فمصدر الالتزام هو العقد، والإخلال به هو الذي يرتّب التعويض. وقد تتقارب نتائجهما (التعويض عن الضرر)، لكنهما تختلفان في الأساس والإثبات ومدى ما يُعوَّض عنه. ولتفصيل المسؤولية العقدية وآثارها، راجع التعويض عن الإخلال بالعقد في السعودية.


الخلاصة: حقك في التعويض عن الحوادث والأضرار

المسؤولية التقصيرية هي البوابة النظامية لكل متضررٍ من فعل غيره خارج العقد، وأبرز ميدانها العملي الحوادث المرورية وإصابات الأبدان. وحتى تنجح مطالبتك، تحتاج إلى:

١. إثبات الخطأ: مخالفة المرور أو الإهمال، عبر المحضر وتقرير الحادث.

٢. إثبات الضرر: المادي (العلاج، فوات الكسب، التلفيات) والمعنوي (الأذى النفسي)، بالتقارير والمستندات.

٣. إثبات السببية: أن الضرر نتج عن ذلك الخطأ تحديداً.

٤. توصيف شامل للأضرار: حتى لا يضيع عنصرٌ من عناصر تعويضك أمام المحكمة.

٥. الاستعانة بمحامٍ متخصص: لتقييم أركان المسؤولية، وتحديد الخصم، وتقدير التعويض العادل. وللمزيد عن التوكيل وصلاحياته، راجع توكيل محامٍ في السعودية: الأنواع والرسوم والصلاحيات.


مقالات ذات صلة

تضرّرت وتريد معرفة حقك في التعويض؟

مكتب المحامي أحمد بن ناصر المالكي يقيّم أركان المسؤولية في قضيتك ويطالب بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي. تواصل لتقييم حالتك.

الأسئلة الشائعة

المسؤولية التقصيرية هي التزام من ارتكب فعلاً ضاراً بالغير — خارج نطاق أي عقدٍ بينهما — بتعويض المتضرر عمّا أصابه من ضرر. وهي الأساس النظامي للتعويض عن الحوادث والاعتداءات والإهمال، وقد قنّن نظام المعاملات المدنية قواعدها تحت مسمّى (الفعل الضار)، فأصبحت مرجعاً موحّداً لتقدير التعويض عن الأضرار التي تقع بلا رابطة عقدية.

أركان المسؤولية التقصيرية ثلاثة لا تقوم إلا باجتماعها: الخطأ (الفعل الضار أو الإهمال المخالف لما يوجبه النظام)، والضرر (ما أصاب المتضرر في جسمه أو ماله أو معنوياته)، وعلاقة السببية التي تربط بينهما بحيث يثبت أن الضرر نتج مباشرةً عن ذلك الخطأ. فإذا تخلّف أحد هذه الأركان لم تقم المسؤولية ولم يستحق المطالِب تعويضاً.

نعم. كرّس نظام المعاملات المدنية الحق في التعويض عن الضرر المعنوي إلى جانب الضرر المادي. ويشمل الضرر المعنوي ما يلحق الشخص من أذى حسّيٍّ أو نفسيٍّ نتيجة المساس بجسمه أو حريته أو عِرضه أو سمعته أو مركزه الاجتماعي. وتقدّر المحكمة هذا التعويض بحسب نوع الضرر وجسامته وشخص المتضرر.

المسؤولية التقصيرية تنشأ عن فعلٍ ضارٍ يقع بين طرفين لا يربطهما عقد، كحادثٍ مروري أو اعتداء. أما المسؤولية العقدية فتنشأ عن إخلال أحد طرفي العقد بالتزامٍ نشأ من ذلك العقد، كتأخّر المقاول أو تخلّف البائع عن التسليم. وكلتاهما تؤدّي إلى التعويض، لكن تختلفان في الأساس والإثبات ومدى التعويض.

يُثبت الخطأ والضرر بكل طرق الإثبات: التقارير الرسمية (محضر الحادث، تقرير المرور أو نجم)، والتقارير الطبية التي توثّق الإصابة ونسبة العجز، والمستندات المالية الدالة على الخسارة وفوات الكسب، إضافةً إلى الشهود والصور والتسجيلات. وكلما كان الملف موثّقاً ومبكراً في جمعه، سهُل إثبات علاقة السببية بين الخطأ والضرر.

نعم، الحادث المروري من أوضح تطبيقات المسؤولية التقصيرية؛ فالخطأ فيه مخالفة قاعدة المرور أو الإهمال في القيادة، والضرر هو الإصابة أو الوفاة أو تلف المركبة، وعلاقة السببية هي أن هذا الضرر نتج عن تلك المخالفة. ويُضاف إلى ذلك في الحوادث أحكام الدية والأرش الشرعية عن النفس وما دونها.

تقدير التعويض من سلطة المحكمة، وهي تقدّره بقدر ما لحق المتضرر من خسارة وما فاته من كسب نتيجة الفعل الضار، مع التعويض عن الضرر المعنوي بحسب نوعه وجسامته. ولا يوجد مبلغ ثابت؛ بل يتحدد المبلغ بحسب توصيف الأضرار في القضية ومدى ثبوتها بالأدلة، ولذلك يرفع التوصيف الدقيق للأضرار قيمة المحكوم به غالباً.

شعار مكتب المحامي أحمد بن ناصر المالكي

بقلم

مكتب المحامي أحمد بن ناصر المالكي

مكتب محاماة واستشارات قانونية في المملكة العربية السعودية، متخصص في قضايا العمل والأحوال الشخصية والتجارية والعقارات والجرائم المعلوماتية. نقدم خدماتنا بمنهجية قانونية راسخة وبأعلى معايير المهنية والسرية.

تعرف على منهجيتنا ←

هل وضعك القانوني يحتاج لمتابعة؟

احجز استشارتك القانونية مع المكتب

تواصل عبر واتساب

مقالات ذات صلة